تقنية

تقنية الهايبرلوب ومستقبل النقل الجماعي السريع


شهدت وسائل النقل تطورات كثيرة ساعدت على تحويل العالم إلى قرية صغيرة، ومن هذه التطورات نذكر القطارات والسيارات التي تم اختراعها في عام 1885م ولا يمكن الاستغناء عنها أبداً في وقتنا الحالي، وقد تنوعت أشكالها، فمنها سيارات خاصة ومنها شاحنات وحافلات لنقل البضائع، أما الطائرات فهي وسيلة نقل جوية قادرة على حمل الركاب والبضائع لمسافات طويلة، كما أنَّها أسرع من طرائق النقل البري بكثير، ومن ثمَّ هي الطريقة الأمثل لنقل المواد القابلة للتلف كالأدوية أو الأغذية.

تطور وسائل النقل لم يتوقف عند حد معين، وتوجد الكثير من التجارب والأفكار والاختراعات التي تكلل بعضها بالنجاح وبعضها الآخر بالفشل، ومن التقنيات التي أحدثت ضجة في العالم تقنية النقل الجماعي السريع “الهايبرلوب” الذي تميز عن غيره من وسائل النقل بالكثير من الأمور التي يحتاجها الناس لتصبح حياتهم أسهل فيتمكنون من إنجاز مهامهم بشكل أسرع وبكلفة أقل أيضاً، وإليك هذا المقال الذي يوضح فكرة “الهايبرلوب” ومبدأ عمله وميزاته وأيضاً التوقعات التي ترافق تطبيقه مستقبلاً.

ما هي تقنية “الهايبرلوب”؟

إحدى التقنيات الحديثة التي تم اتباعها في بعض الدول المتطورة في مجال النقل، وهو نظام لنقل المسافرين عالي السرعة؛ إذ يتم فيه دمج أنابيب ذات ضغط منخفض وخالية من الهواء وتوجد داخل هذه الأنابيب كبسولات تربط الأنابيب بين محطتين، ويولِّد المحرك الكهربائي الذي يستمد قوَّته من الطاقة الشمسية حقلاً مغناطيسياً يتسبب في دفع الكبسولات بسرعة عالية على وسادة هوائية مع عدم الاحتكاك بجدران الأنبوب، تميز هذه التقنية السرعة العالية والتكلفة المنخفضة.

فكرة “الهايبرلوب”:

قام رائد الأعمال التكنولوجي والرئيس التنفيذي الذي يقود العديد من الشركات ذات المستوى الرفيع “إيلون ماسك” بتصميم “الهايبرلوب” في عام 2012؛ إذ عرض اقتراحاً أولياً ثم عمل الكثير من المهندسين وبشكل غير رسمي لمدة لا تقل عن تسعة أشهر على إنشاء اقتراح هندسي معقول، إضافة إلى تقييم هذه التجربة، ومن ثم تم إصداره في عام 2013م، لكن هل “إيلون ماسك” هو أول من فكر بهذه الفكرة؟

من المعروف عن “إيلون ماسك” أنَّه يعيد تدوير الأفكار القديمة والاختراعات أيضاً التي سبق لأحدهم أن فكر بها، ففي عام 1845م اقترح مهندس بريطاني يدعى “إيسامبارد برونيل” فكرة بناء أنبوب ضمن محطة سكك حديدية في جنوب غرب “إنجلترا” بهدف دفع القطارات بسرعة 70 ميلاً في الساعة.

يكون مبدأ العمل باستخراج الهواء من أنبوب يمتد بين القضبان بواسطة محطات الضخ التي تقع كل ثلاثة أميال تقريباً على طول الطريق فيتسبب ذلك بإحداث فراغ، وبداخل الأنبوب يوجد مكبس يدفع القطار إلى الأمام، ولكنَّ اللوحات الجليدية التي جعلت الأنابيب المفرغة محكمة الإغلاق تعطلت فتسبب ذلك بتسريب الهواء؛ والسبب في ذلك يعود إلى نقص الموارد المالية ففشل المشروع.

استند “إيلون ماسك” أيضاً في تصميم فكرته إلى بحث بعنوان “أنظمة مترو أنفاق عبر الكواكب – قدرة متنامية” كان قد نشره المخترع “روبرت إم سالتر” في عام 1978م، وبحسب “إيلون ماسك” فإنَّ “الهايبرلوب” بمنزلة هجين بين طائرة “الكونكورد” الأسرع من الصوت، وهي مدفع كهرومغناطيسي يمكنه تسريع المقذوفات إلى سرعات عالية جداً تفوق سرعة الصوت، وذلك من خلال استخدام مبادئ الديناميكا الكهربائية وطاولة للعب الهوكي في الهواء.

توجد شركتان متنافستان رئيستان منذ عام 2016م تعملان من أجل تحقيق مفهوم تصميم “الهايبرلوب” واقعياً، ولكل منهما مقترحات منفصلة؛ الأولى هي شركة (Hyperloop Technologies)، وهي شركة تقنية ناشئة كلاسيكية أعلنت عن التحقيق في طريق محتمل بين “لوس أنجلوس” و”لاس فيغاس”.

أما الشركة الثانية فهي (Hyperloop Transportation Technologies) التي أعلنت عن خطتها من أجل بناء مسار جزئي على طريق “لوس أنجلوس” و”سان فرانسيسكو”؛ أي إنَّ كلاً من الشركتين تستكشف طرائق مختلفة لمسارات “الهايبرلوب”، ولكنَّ ممثلَي الشركتين اتفقا على رأي واحد وهو أنَّه من المرجح أن تقوم دولة من آسيا أو الشرق الأوسط بتنفيذ فكرة النقل السريع “الهايبرلوب” قبل الولايات المتحدة الأمريكية. يعود السبب في ذلك إلى انخفاض البيروقراطية وإلى الحاجة الماسة إلى هذا النقل في تلك المناطق.

أعلن “إيلون ماسك” من خلال شركة (Space X) التابعة له عن مسابقة لتصميم وبناء أفضل حجرات لـ “الهايبرلوب” موجهة إلى طلاب الجامعات والفرق الهندسية المستقلة، ففاز بالمسابقة فريق من طلاب الدراسات العليا في معهد “ماساتشوستس” للتكنولوجيا في المرحلة الأولى من المسابقة، وتم تصميم حجرات يُستخدم الرفع المغناطيسي فيها بدلاً من وسادة هوائية لتقليل الاحتكاك على الكبسولات.

مبدأ عمل تقنية “الهايبرلوب”:

تصل سرعة “الهايبرلوب” إلى 1220 كم/ سا، لذا فسرعة “الهايبرلوب” تفوق سرعة الصوت، ولتحقيق هذه السرعة يجب أن تتوفر طريقة ما تخفف قوى الاحتكاك بين الأنبوب والكبسولات الموجودة ضمنه، ومن الطرائق الممكنة ما يأتي:

1. الرفع المغناطيسي:

يتم استخدام مغناطيس دائم وكبير جداً بهدف تعليق الكبسولة فوق قاع الأنبوب، ولكنَّ تحقيق هذا الاقتراح يتطلب مبالغ مالية هائلة، فكان ذلك هو السبب في رفض “إيلون ماسك” لهذه الفكرة.

2. طريقة طاولة الهوكي:

تُستخدم وسائد هوائية لدعم الكبسولات فتشبه محامل الهواء التي تستخدمها طاولة الهوكي الهوائي، وبذلك يتم إلغاء مقاومة التدحرج.

يتم استخدام ألواح توليد الطاقة الشمسية من أجل توليد الطاقة، إضافة إلى مولدات أخرى صديقة للبيئة تقوم بتوليد أعلى معدلات الطاقة وبأقل التكاليف وأقل الانبعاثات أيضاً، ونظراً لأهمية أمان الركاب المسافرين بتقنية “الهايبرلوب”؛ فقد أُنشئت شركة “فيرجن هايبرلوب” التي اهتمت بتطوير تقنيات السلامة والأمن من خلال أجهزة الاستشعار التي تعمل على استشعار التغيرات في الحرارة أو الضغط، إضافة إلى تجهيز تقنيات تعمل على مكافحة الحرائق والطوارئ في حال حدثت.

تعمل المستشعرات على نقل المعلومات عن المشكلات التي تحدث إلى مراكز التحكم، كما عمدت شركة “فيرجن هايبرلوب” إلى تصميم الأنابيب من الفولاذ القوي كي يتمكن من مقاومة الصدمات والضغط، إضافة إلى إمكانية التحرك أو الانثناء بشكل مستقل عن بعضها، ومن ثمَّ يكون الضرر أقل ما يمكن في حال حدث تخلخل كبير في الأرض.

رحلات “الهايبرلوب” التجريبية:

أجرت شركة “فيرجن هايبرلوب” أول اختبارات “الهايبرلوب” مع الركاب في عام 2020م، وذلك في “لاس فيغاس”؛ إذ أسمت النموذج الأولي لها باسم “بيغاسوس” وكان عدد المقاعد في تلك التجربة اثنين فقط، أما تسارع الكبسولة فبلغ 100 ميل في الساعة على طول مسار الاختبار، ونتيجة الاختبار كانت عدم شعور المسافرين بقوة الاندفاع كما أثبتت سلامة التكنولوجيا، فقد مهدت هذه التجربة الطريق نحو الاستخدام الفعلي لـ “الهايبرلوب” في النقل وبكبسولات تتسع لنقل 28 راكباً والقدرة الاستيعابية تصل إلى نحو 30000 راكب في الساعة.

ميزات تقنية “الهايبرلوب”:

لوسيلة النقل هذه العديد من الميزات منها ما يأتي:

  1. لا يتأثر “الهايبرلوب” بالأحوال الجوية؛ وذلك لأنَّ الكبسولات في مأمن من الجليد والرياح والمطر والضباب أيضاً، وهذا يوفر سلامة الركاب، كما يُعَدُّ مستوى الأمان من العوامل الجوية والطقس أعلى من مختلف وسائل النقل الأخرى.
  2. سرعة “الهايبرلوب” تفوق سرعة القطار العادي بكثير من الأضعاف، وبذلك يكون وقت السفر قليلاً جداً، وهذا يساعد على إلغاء فكرة السكن في نفس المدينة التي تعمل بها، ومن ثمَّ يتيح فرص عمل أكثر أمام الأفراد.

بحسب بعض الدراسات فإنَّ “الهايبرلوب” يختصر رحلة تحتاج من ساعات إلى بضع دقائق، فمثلاً الرحلة من “أبو ظبي” إلى “دبي” تحتاج باستخدام السيارة وقتاً لا يقل عن الساعة ونصف الساعة، بينما إن تم استخدام “الهايبرلوب” فتستغرق الرحلة فقط 14 دقيقة.

  1. لا يتعلق عمل “الهايبرلوب” بالطاقة الكهربائية، ومن ثمَّ لا خوف من توقفه عند انقطاع التيار الكهربائي؛ إذ إنَّ كل كبسولة مزودة باثنين أو أكثر من بطاريات “الليثيوم آيون” وهو ما يضمن وصول الكبسولة بأمان.
  2. على الرغم من التكاليف المادية العالية، إلا أنَّ تقنية “الهايبرلوب” أرخص من التكاليف المطلوبة ليتم إنشاء خط قطارات سريعة، كما أنَّ تكلفة الصيانة لـ “الهايبرلوب” أقل.
  3. صديق للبيئة ويسهم في التقليل من استخدام الطائرات والمركبات التي تستهلك كميات كبيرة من الوقود الأحفوري.

مستقبل النقل الجماعي السريع “الهايبرلوب”:

  • من المتوقع أن يؤدي استخدام تقنية “الهايبرلوب” في النقل إلى تقليل عدد المركبات في الطرق، ومن ثمَّ التقليل من الازدحام المروري بنسبة كبيرة جداً وخاصةً إن تم استخدام هذه التقنية في نقل البضائع أيضاً بدلاً من النقل بواسطة الشاحنات.
  • من المتوقع أن يكون “الهايبرلوب” أكثر أشكال النقل ملاءمةً لمتطلبات الركاب، فهو ذاتي القيادة تماماً ويتيح السفر عند الطلب، كما يمكن اختيار حجم الكبسولة التي سيركبها المسافر. وعلى الرغم من وجود قلق حول تكلفة الرحلة على متن “الهايبرلوب”، إلا أنَّ التوقعات ترجح أنَّ التكلفة ستكون مماثلة لتكلفة النقل باستخدام المركبات البرية وليس النقل باستخدام الطائرة.
  • قد تعمل أنظمة النقل السريع “الهايبرلوب” إما فوق الأرض أو تحت الأرض، ولكنَّ حفر الأنفاق تحت الأرض سوف يستغرق وقتاً طويلاً، إضافة إلى التكلفة المادية العالية جداً، لذلك يتم التركيز على استخدامه فوق الأرض حتى وقتنا الحالي.

في الختام:

إنَّ “الهايبرلوب” نظام نقل عالي السرعة ينقل الناس ضمن كبسولات تندفع ضمن أنابيب خالية من الهواء دون أي خوف من اصطدام الكبسولات ببعضها بعضاً بحيث تستطيع كل كبسولة حمل نحو 28 مسافراً وتنطلق كل 30 ثانية كبسولة من الكبسولات ضمن الخط الواحد، وقد أكدت الدراسات أنَّ “الهايبرلوب” من أكثر وسائل النقل أمناً وسرعةً وراحةً أيضاً.

كما أنَّ “الهايبرلوب” يتميز بعدم تأثره بأحوال الطقس، وهذا يضمن سلامة الركاب في الظروف الجوية السيئة، إضافة إلى عدم تأثره بانقطاع التيار الكهربائي، أما بالنسبة إلى تكلفة بناء نظام النقل هذا فهو أقل بكثير من تكلفة بناء قطار سريع عادي، فضلاً عن أهمية “الهايبرلوب” في التقليل من وقت السفر بين المدن، وهذا يسهل الحياة على الأشخاص ممن يعيشون في مناطق نائية.

كما أنَّه يساعد على التوزيع للقوى العاملة والكفاءات بشكل أفضل، ومن المتوقع أن تصبح هذه التقنية أفضل تقنيات السفر في المستقبل وأن تقلل من استخدام الطائرات أو المركبات البرية، ومن ثمَّ التقليل من تلوث البيئة ومن التلوث السمعي والازدحام المروري أيضاً، لكن بعد التغلب على كافة العوائق التي تقف في طريق بناء نظام “الهايبرلوب” كالتكلفة المادية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى