تقنية

تأثير شبكات التواصل الاجتماعي على الأطفال


كيف دخل الأطفال إلى العالم الافتراضي بهذه القوة؟ وكيف أصبحوا من رواد شبكات التواصل الاجتماعي التي نعرف جميعاً عشوائية المحتوى المتوفر فيها وعدم أهليته لعيون الصغار؟ وما هو تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في الأطفال؟ هذه هي التساؤلات التي سنجيب عنها في مقالنا لهذا اليوم، فتفضَّلوا بالقراءة.

كيف دخل الأطفال إلى عوالم التواصل الاجتماعي؟

لا يمكن أن نلوم أطفالنا على وجودهم في زمن التواصل الاجتماعي، وإنَّه لمن المجحف أن نقارن طفولتنا بطفولتهم، وأذكر تماماً كيف كان أهلنا يقارنون طفولتهم الخالية من التلفاز بطفولتنا المتأثرة ببرامج الأطفال المتلفزة، وعلينا أن نتفق في البداية على اختلاف كل جيل عن الجيل الذي يسبقه والجيل الذي يليه، ومن يدري بأي شيء سيقارن جيل التواصل الاجتماعي الجيل اللاحق له.

إنَّ وجود منصات التواصل الاجتماعي هو نتيجة انتشار الأجهزة الذكية والإنترنت بين أيدي المستخدمين، الأمر الذي نتج عنه عوالم افتراضية أدت أدواراً إيجابية عديدة وأثبتت فائدتها في جوانب كثيرة آخرها جائحة كورونا على الرغم من الأدوار السلبية المعروفة عنها.

إنَّ أطفال هذا الجيل قد فتحوا أعينهم على مشهد جهاز الموبايل في يد المربي، ومشهد الأب يجلس خلف حاسبه المحمول يحضر اجتماع العمل، ومشهد الأم ومكالمة الفيديو العائلية الصباحية مع أمها وأخواتها، وإنَّ جيل هذا اليوم هو جيل معاصر للتكنولوجيا؛ إذ يتحدث الزملاء في الصف عن لعبة “بوبجي” ويدعون بعضهم في المراهقة إلى مشاهدة فيلم على “نيتفلكس”.

إنَّه جيل يتعلم البرمجة عبر تطبيق “سكراتش”، وينمي مهاراته في اللغة عبر قنوات “يوتيوب”، ويعمل ذووه أونلاين مع شركات خارجية، وكل ذلك يتم بفضل وسيط تقني، فمن الطبيعي والمنطقي جداً أن تكون التكنولوجيا جزءاً من حياته واهتماماته، ومن ثمَّ المجتمعات البشرية الموجودة من خلالها على منصات التواصل الاجتماعي تُعَدُّ نظيراً للواقع الذي نحياه، وهذا ما يجعل اليوم طفلاً في السابعة يفهم كلاً من مصطلحات “قناة، تيك توك، ريل، أونلاين، إنترنت” هذه المصطلحات التي لو قيلت لنا عندما كنا في مثل سنه لاستدارت أعيننا تعجُّباً واستغراباً.

يُعَدُّ دخول الأطفال إلى عوالم التواصل الاجتماعي تماشياً مع التطورات في عصرهم وتقليداً للبالغين في محيطهم وأقرانهم وانجذاباً أيضاً إلى المحتوى الموجود على منصات التواصل الاجتماعي الذي يخصص مصنِّعوه كوادر احترافية متعمقة في علم نفس الجمهور من أجل تحديد طرائق اجتذابه وتطبيقها، ومن أجل تحويل المتفرج العابر إلى متابع.

إنَّ وجود القنوات على “يوتيوب” التي تعرض أطفالاً يتناولون الحلوى الشهية بكميات كبيرة، أو يلعبون بالبالونات والألوان، أو يذهبون برفقة ذويهم إلى مدن الألعاب التي تحتوي على كل ما تشتهيه نفس الطفل، سيجذب فضوله نحو المشاهدة ويجعل منه أسيراً لما يراه.

يمكن للبالغ مشاهدة هذه المحتويات وملاحظة انجذابه هو الآخر لها لما فيها من تشويق وإثارة، ثم من خلال ذلك يدسون للطفل المحتوى الذي يريدون توجيه اهتمامه نحوه، وهذا ما يقال عنه “دس السم في العسل”، فكثيراً ما استُخدم المحتوى الموجه للأطفال لتمرير أفكار إباحية أو عنيفة أو غير أخلاقية أو منافية لقيم المجتمع الذي يعيش فيه.

شاهد بالفيديو: كيف نحمي الأطفال من مواقع التواصل الاجتماعي؟

 

تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في الأطفال:

لا يمكن أن ننكر أنَّ تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في الأطفال قد يكون إيجابياً في بعض الأحيان، فشبكات التواصل الاجتماعي إذا ما أُحسن استخدامها من شأنها أن تفتح أمام الطفل آفاقاً واسعة من العلم والمعرفة وتجيب عن آلاف الأسئلة التي تدور في ذهنه، كما أنَّها تحرض فضوله نحو التعلم والاكتشاف وتوسِّع إدراكه وتعلِّمه تقبُّل الاختلاف وتفتح أفقه على الآراء المتباينة التي تختلف مع توجهه ورؤيته.

لكنَّ الوصول إلى تلك المزايا يتطلب وعياً كبيراً من قِبل المربي لتوجيه طفله نحو الاستخدام السليم لشبكات التواصل الاجتماعي ولمدة كافية لا تسبب له انفصالاً عن الواقع، أما الاستخدام العشوائي البعيد عن التوجيه والإرشاد تنجم عنه كوارث حقيقية تُصنف ضمن سلبيات تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في الأطفال التي يمكن تصنيفها كما يأتي:

1. الإصابة بمشكلات نفسية:

من سلبيات تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في الأطفال أنَّها تكون سبباً في إصابتهم بمشكلات نفسية على رأسها الاكتئاب والتوتر والقلق، وإنَّ الصغار أسرع تأثُّراً من الكبار بالمحتوى الذي يرونه، فحتى لو أنَّهم يقضون وقتاً قليلاً نسبياً، فإنَّ تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في الأطفال سيكون واضحاً وعميقاً، كون هذه الشبكات تعرض محتويات عنيفة ومروعة بالنسبة إليهم تعلق في أذهانهم الغضة وتثير الكثير من التساؤلات والمشاعر في رؤوسهم، وهذا يعرضهم للإصابة بالقلق والتوتر والاكتئاب وخاصةً إذا ما كان المحتوى الذي رؤوه صادماً.

2. الإصابة باضطرابات النوم:

تندرج الإصابة باضطرابات النوم ضمن تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في الأطفال؛ إذ تثبت الكثير من الدراسات ضرر الأشعة الزرقاء المنبعثة من شاشات الهواتف والأجهزة اللوحية على عملية النوم وخاصةً إذا ما تم استخدامها قبل النوم مباشرة، وتظهر أعراض هذا التأثير في الأطفال بشكل أكثر حدة؛ إذ تؤثر الأشعة الزرقاء في إفرازاتهم المخية وتمنعهم من الحصول على النوم الجيد الذي يُعَدُّ أساس نموهم وتطور ذكائهم وقدراتهم الحركية والإبداعية.

من الضروري ذكره في معرض الحديث عن تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في الأطفال قدرة هذه الشبكات على تعزيز التسويف والمماطلة لوقت النوم عند الطفل بسبب محتواها الجاذب، فحتى نحن البالغون يصعب علينا الالتزام بالوقت الذي نحدده لأنفسنا إذا ما قررنا تصفح هذه الشبكات، فهي تجرنا للاطلاع على المزيد دون أن نشعر فما بالكم الأطفال؟

3. التعرُّض للتنمر:

من أكثر علامات تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في الأطفال خطورةً هي تعريضهم للتنمر في سن صغيرة، هذه السن الحساسة جداً من مراحل تطور شخصية الطفل وتشكُّل كينونته، وتذكر الدراسات أنَّ ممارسة التنمر على شبكات التواصل الاجتماعي أكثر سهولة من ممارسته بشكل مباشر، وأنَّ 43% من الأطفال الذين يستخدمون شبكات التواصل الاجتماعي قد تعرضوا للعنف اللفظي والتنمر، الأمر الذي يجعل الطفل الذي يشارك صوره مع الآخرين أو تعليقاته ومقاطع الفيديو الخاصة به عرضةً لهجوم واسع من قِبل المتنمرين، وهذا يؤثر تأثيراً لا يمكن تصوره في نظرته لذاته.

4. التعرُّض للابتزاز والتحرش والاستغلال:

ما أخطر تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في الأطفال، إنَّها تجعل منهم فرائس سهلة أمام الجشعين من المستغلين جنسياً والمتحرشين والمبتزين؛ إذ يمكن الوصول إلى الطفل بسهولة عبر حسابه على الشبكات الاجتماعية والدخول معه في دردشة تبتزه أو تستغله أو تعرضه لأنواع التحرش الجنسي اللفظي، الذي يمكن أن يتطور إلى تحرش جسدي إذا ما تم استدراج الطفل بمغريات أو ضغوطات معينة قد تنتهي بالاختطاف أو الاغتصاب، وغيرها من الكوارث والممارسات التي تقشعر الأبدان لمجرد التفكير بإصابة طفل بها.

5. فقدان مهارات التواصل مع الآخرين:

إنَّ الطفل الذي يقضي وقتاً طويلاً على شبكات التواصل الاجتماعي يفقد تدريجياً مهارات التواصل المباشر الفعالة ويتحول إلى شخص خجول ومنطوٍ وغير اجتماعي، كون التواصل مع الآخرين في العالم الحقيقي يحتاج إلى الممارسة من أجل تنمية المهارات الاجتماعية عند الطفل وكسر حواجز الخوف والخجل لديه، وإنَّ تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في الأطفال يكون في ملء أوقاتهم فلا يبقى لديهم متسع لزيارة الأقرباء أو الاختلاط بالمحيط.

شاهد بالفيديو: 8 طرق لتنمية الذكاء الاجتماعي للطفل

 

6. تأثيرات سلبية في الصحة الجسدية والعقلية:

إنَّ تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في الأطفال يظهر على الجانبين الجسدي والعقلي، فعلى الصعيد الذهني فإنَّ الاستخدام المفرط للطفل للشبكات الاجتماعية يضعف من تركيزه ويرفع من مستويات تشتته؛ وذلك بسبب الضخ المعلوماتي الكبير الذي يتعرَّض له، وهذا بدوره يسبب له النسيان، فضلاً عن تعرُّض الطفل لمعلومات مغلوطة تشوِّه معارفه الصحيحة.

أما على الصعيد الجسماني، فإنَّ تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في الأطفال يظهر في تحولهم إلى كائنات كسولة وقليلة الحركة، الأمر الذي يساهم في إصابتهم بالبدانة وزيادة الوزن وانعدام اللياقة البدنية.

7. انخفاض الرضى عن الحياة:

من سلبيات تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في الأطفال والمراهقين أنَّها تتسبب في خفض مشاعر الرضى الخاصة بهم عن الحياة، فالطفل الذي يشاهد محتوى “يوتيوب” لطفل مثله تشتري له والدته عشرات الألعاب المميزة وتأخذه كل يوم في زيارة إلى مدينة الألعاب، سينظر بعين السخط إلى ألعابه ودُماه وسيفقد امتنانه لوجودها.

كذلك الطفل الذي يشاهد تمثيليات الأمهات اللاتي يسمحن لأبنائهن بالتغيب عن المدرسة واللعب بدلاً من ذلك أو يسمحن لهم بشراء وتناول كميات ضخمة من الحلوى، سيَعُدُّ مشاعر الحب من أهله غير كافية كونهم لا يسمحون له بالقيام بممارسات تضر به.

أما بالنسبة إلى المراهقين والمراهقات فالأمر ليس أفضل، ففي ظل المعايير الجمالية الصارمة التي تفرضها شبكات التواصل الاجتماعي فإنَّ المراهق سيصاب بالتأكيد بانعدام الرضى عن حياته وانعدام التقبُّل لشكله في طور البلوغ ووزنه وحبوب الشباب في بشرته، وهذا يثير لديه مشاعر السخط التي تعززها رؤية أقرانه على هذه المنصات يتسوقون من أفخم المتاجر ويقودون السيارات ويدخنون ويشربون الكحول بوصف ذلك تصويراً لمفاهيم الحرية والسعادة، الأمر الذي يجعله يشعر بالتقييد والحرمان.

في الختام:

إنَّ تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في الأطفال تأثيراً سلبياً أكثر بكثير من التأثير الإيجابي؛ والسبب وراء ذلك هو حساسية الطفل الشديدة تجاه المحتوى وافتقاره إلى عناصر المحاكمة العقلية والمنطقية الكافية لمعالجة ما يراه، ونحن في ختام القول لا نقصد إخافة المربين فالتكنولوجيا جزء هام ومحوري في حياة هذا الجيل؛ إنَّما نهدف إلى إيقاظ مشاعرهم بالمسؤولية وتوعيتهم إلى أخطار حقيقية كامنة في الأجهزة المحمولة بأصابع أطفالهم الغضة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى